محمد حسين علي الصغير

31

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

المتزايدة لدى الناشئين وهذا النفور المتنامي تجاه البلاغة العربية والدرس البياني عن طريق تذليل السبل ، وتقليل الأقسام ، وتحديد الموضوعات . إن التفريعات والتعريفات المستمدة من مدرسة الإيهام والإبهام ، معالم مضللة لا تلتقي والذوق الفني ، ومظاهر متخلفة تدعو إلى النفرة والاشمئزاز ، ولا ذنب للبلاغة في ذلك بل للمتصرفين بأصنافها ، والداعين إلى تعقيدها ، والقائمين على تقعيدها ، حتى عادت كالطلاسم المبهمة ، والألغاز المعماة ، وليس ما ذهب إليه جمع من الباحثين ممن تأثروا بمفاهيم عصورهم . . ثقافة أجنبية ، وسليقة أعجمية ، ليس ما ذهبوا إليه نصوصا مقدسة غير قابلة للنقاش ، ولا هي تعليمات دينية غير قابلة للرد ، بل هي آراء بشرية تقبل النقض والرفض ، وتتعرض للسهو والخطأ ، كما تتقبل الرضا والقبول ، وليس تقويمها خروجا على التراث ، بل هو تهذيب وصقل للجهد الإنساني الموروث . والبيان هو الموروث البلاغي لدى العرب ، والإرث البلاغي هو قمة متبقيات العرب قيمة وأهمية وعطاء ، فالتوجه إليه بمزيد من العناية ، دليل الإقامة على ماضي التراث ، لإفادة الحاضر وتهيئة المستقبل . لقد بهر العرب بجمال القرآن وروعته ، ونظروا إلى التغيير الجذري الذي أضافه ليس في العادات والمفاهيم والتقاليد فحسب ، بل في القول والكلام والنظم البياني ، لقد نظروا إلى لغتهم وهي تتجه - فجأة - نحو الاستقامة والاستقرار والصعود ، فحدبوا على عطاء هذه اللغة يختزنونه ، وعمدوا إلى مرونتها يستغلونها ، فكان هذا المخزون جمالا بلاغيا لا يبلى ، وكان ذلك الاستغلال موروثا بيانيا لا يفنى ، وما ذاك إلا استجلاؤهم لدلالات القرآن الأدبية ، وفنونه القولية ، فقد خلص اللغة من الوحشي والغريب ، وهذب طبع ألفاظها من التنافر والتعقيد ، فلم يعد العربي بعد بحاجة إلى إقصاء ذلك واستبعاده ، هم الآن - أعني العرب - بحاجة إلى الكشف عن خبايا هذا الكتاب وكنوزه ، وقد كان الكشف منصبا حول مجازات القرآن واستعاراته وتشبيهاته وكناياته ، وهذا هو الملحظ البلاغي الخالص في استكناه وجوه الإعجاز البيانية في القرآن الكريم ، ولم يكن هذا - وحده - بل أضيفت له جملة من الفنون البديعية في الجناس